محمد مصطفى

يخرج هذا الكتاب إلى الوجود في وقت نحن في أمسّ الحاجة لإلقاء مزيد من الضوء على مسألة جوهرية لم تحظَ بقدر كافٍ من البيان والتفصيل في التفاسير الموروثة، ولهذا سيجد فيه أبناء هذا العصر المهتمّون بمعرفة معاني القرآن عوناً كبيراً، لما يتيحه لهم من النظر في الآيات المباركة من زاوية قلّما تطرّق إليها القدماء - وهي محور الكتاب ذاته - أن كلمات الله لا نفاذ لها، ولا تُحدّ بحدٍّ، ولا تتوقّف، فهي فيض رحمته تعالى الدائمة بدوام أسمائه‭.

ومؤلف الكتاب - كما يذكر في مقدّمته - ليس من المتخصّصين في العلوم الدينية، ولكنه معتقد بأن الخطاب الإلهي موجه إلى الناس قاطبة وكل من آمن به مسئول عن فهمه بجهده المستقل بعيداً عن التقليد والتبعية التي تطفئ نور الإيمان. فخليق بأهل الجيل الحاضر أن يتأملوا هذا الدرس الذي تعلمه المؤلف من خبرة طويلة أغنته عن الدراسات النظرية‭.

فقد ولد محمد مصطفى سليمان في غرة عام ١٨٩٨م ببلدة الضهرية بالقرب من إيتاي البارود في مديرية البحيرة الواقعة في غرب دلتا نهر النيل، وتعرّف على البهائية في سنوات صباه بفضل صديقه عبد الرحمن رشدي الذي كان يزامله في العمل بمكتب تلغراف إيتاي البارود، فاعتنق هذا الأمر بدون تردد وقضى حياته في خدمته بحماسٍ وتفانٍ ستذكرهما له الأجيال القادمة بكل إجلال وتقدير. وبعد أن تدرج في مناصب عمله حتى أصبح مدير قسم المراجعة بمصلحة التلغراف بالقاهرة، انتهز فرصة تشجيع الحكومة للموظفين على التقاعد، واختار ترك الوظيفة في سن الرابعة والأربعين ليكرس باقي حياته في خدمة الكلمة الإلهية‭.

وجد محمد مصطفى منذ عنفوان شبابه في الدين البهائي تجديداً لنور الإيمان، وتهذيباً للنفس البشرية، ومنقذاً من طغيان المادية، فاعتنقه رغم استنكار والديه وعشيرته، في زمن لم يألف فيه الريف المصري هذا النمط من الشجاعة الأدبية واستقلال النظر في الأمور الدينية؛ فتألب عليه أهل الضهريّة. ولكن لم يضعف غضبهم من إيمانه الراسخ المعتمد على اليقين، وقابل الجفاء بسعي دائب لتوطيد صلة الرّحم، وتشديد أواصر المودة مع صحبه وعشيرته، وحافظ على ذلك حتى النفس الأخير‭.

وبعد نقله من قرية إيتاي البرود التي عرف فيها الدين البهائي، ليعمل في تلغراف بورسعيد، واجه نوعاً جديداً من البلاء على أيدي المتعصبين والأشقياء في تلك المدينة التي عرفت اعتداءات عنيفة على البهائيين، بلغت أوجها بين عامي ١٩١٩م و١٩٢٠م. ولم يكن عيشه بالقاهرة فيما بعد أهدأ من حياته في غيرها، فقد شاء القدر أن يتسلّط فيها نفر من رجال مباحث أمن الدولة على البهائيين، فاعتقل رحمه الله في عام ١٩٦٧م مع فريق من إخوانه البهائيين بدون ذنب أو مبرّر سوى إيمانهم بدين لا تقرّهم عليه أغلبية متعصبة، وقضى ما يقرب من ستة شهور في اعتقال موحش يذكر من تعرض لمثله جيداً ما صاحبه من أهوال وتعذيب، وصفهما فريق منهم تفصيلاً في كتبهم وعلى صفحات الجرائد‭.‬

ولم تشفع له في السنوات اللاحقة لا شيخوخته ولا السجيّة الوديعة التي فُطر عليها، فكلّما تعنّت رجال أمن الدولة على البهائيين كان رحمه اللّه على رأس قائمة المقبوض عليهم: فسجن احتياطيّاً مرة في قضية نظرتها محكمة جنح الزيتون في سنة ١٩٦٥م، ومرة أخرى في قضيّة نظرتها محكمة الأحداث بطنطا في سنة ١٩٧٢م قضى خلالها أربعين يوماً في فتنة السجن رغم بلوغه ٧٤ عاماً من العمر.

من العدل والإنصاف أن يعلم القارئ حقيقة التّهم التي وُجهت إليه في هذه القضايا حتى لا تشوب ذكراه شبهة أو يلوّثها الظن: انحصرت أسباب هذه المحاكمات في القرار الجمهوري بالقانون رقم ٢٦٣ لعام ١٩٦٠م بحلّ المحافل الروحانية للبهائيين بإقليمي الجمهورية العربية المتحدة. قرار لا مراء في خرقه للمبادئ الدستورية، ولا شك في جحوده لحقوق الإنسان، ولا شبهة في نقضه للقيم التي جبل عليها أهل مصر في تاريخها الحديث من تسامح ديني وحرية فكرية. ومع اقتصار القرار الجمهوري على منع نشاط المحافل الروحانية، وهي هيئات إدارية لرعاية شؤون البهائيين، إلا أن بعض مَن ضاقت أفاق فكرهم اتّخذ هذا القرار الجمهوري ذريعة للتنكيل بكل ما أوتوا من وسائل بالأبرياء المؤمنين بهذه الدعوة اللإلهية: فشوهوا مبادئها، واختلقوا عليها ما استطاعوا من إفك ونسجوا حولها الأساطير، ونكلوا بأتباعها في السجون، وقدموا أكثرهم لمحاكمات صورية، وقطعوا عنهم الأرزاق، وحرموهم من توثيق زواجهم، وفرضوا عليهم ديانات غير التي يؤمنون بها في الوثائق الرسمية‭.

وكان أساس التهم الموجهة إلى محمد مصطفى - أثناء هذه الفوضى القانونية - أنه كان - في غياب هذه المحافل الروحانية - يساهم في حلّ الخلافات الزوجية، ويدعو البهائيين للتزاور وتوطيد أواصر المحبة فيما بينهم، ويحثهم على مواصلة التخلق بالمبادئ السامية التي جاء بها حضرة بهاءالله.

قام محمد مصطفى أثناء حياته المشحونة بالمصاعب بترجمة عدد من الوثائق البهائية من الإنجليزية إلى العربية، وكان عضواً في أول محفل روحاني للبهائيين بالقطر المصري، واختير سكرتيراً لهذا المحفل الروحاني لعدة سنوات، وناب عن المحفل الروحاني المركزي بمصر في عدة مؤتمرات دولية. وكان كاتباً ومحاضراً وخطيباً مفوّهاً، بقدر ما كان إنساناً سبّاقاً لخدمة القريب والغريب، مبالغاً في الكرم، عطوفاً رقيق القلب إلى أقصى الدرجات، لم تقعده موارده المحدودة عن زيارة البهائيين في كثير من البلدان الإفريقية وعلى الأخص في شمال أفريقيا، وكان على ما نعلم أول بهائي وطأت قدمه أرض الصحراء الأسبانية فى عام ١٩٥٣م.

لم يخلف محمد مصطفى ثروة تذكر، وإنما ترك ذرية ترعرعت في أسرة صابرة على البلاء، متحملة صنوف الصبر والعناء في سبيل الله، مكرسة وجودها وإمكاناتها لخدمة أحباء الله، بالحب الخالص والكرم الزائد، فسارت ذريته من بعده على دربه في خدمة البشرية. ومن كلمات محمد مصطفى المأثورة قوله: "‬لن تجدوا في تركتي غير جعبة من الأوراق." وبالفعل كان كتاب "النبأ العظيم" رصيد تلك التركة التي خلفها. فتولى ابنه البكر الاهتمام بتنقيحه واستنساخه، ووجد فيه كثير من الأفراد - من مختلف الأديان - عوناً في فهم بعض ما أشكل عليهم من غايات الكتب السماوية. وأوصوا بطبع هذا الكتاب تعميماً لفائدته. ثم تولى كاتب هذه السطور، وهو أحد الذين غمرهم محمد مصطفى بمحبته وأعانهم بتوجيهه نصحه وتشجيعه، مراجعته وتهيئته للطباعة، مما استلزم تنظيم جزء من حججه، وإضافة بعض الأسانيد التي لم يتوفر عليها محمد مصطفى، مع بذل كلّ الحرص على أن يحتفظ الكتاب بطابعه الأصلي، فاقتصر التنقيح على ما يزيد آراء الكاتب وضوحاً، شريطة ألاّ يغيّر من جوهره ولا يمسّ بمنظوره.

والواضح من المسودة التي تركها محمد مصطفى أنه - بعد عودته إلى مصر - أكمل الموجز الذي سبق أن أعده في ليبريا بدراسة أدق وأوفى حيث توفرت لديه المراجع اللازمة. وأغلب الظن أنه تبين أثناء هذه الدراسة أن القصور في فهم بعض مقاصد الكتب المقدسة - وعلى رأسها القرآن الكريم - ليست قصراً على الذين لا يجيدون العربية. إذ إن أكثر التفاسير التقليدية إن لم يكن كلّها لم تنجح في تقديم فهم شامل لآياته، وتقيدت بحدود الألفاظ الضيقة في فهم الآيات التي وردت على وجه المجاز، فبقي معناها مستغلقاً يثير من الأسئلة أكثر مما توفر من إجابات.

ولا يخفى على القارئ المتمعن في هذه التفاسير أن كثيراً من المعاني التي استنبطها المفسرون من هذه الآيات قد ثبت خطؤها علميّاً بصورة قاطعة. فليس بمستبعد أن تكون تفاسير القدماء للكتب السماوية قد فوّتت جانباً من الغايات التي قصدت إليها هذه الكتب. وأياً كان نصيب هذا الفرض من الصحة فإن الثابت أن تصلب المفسرين، وضيق آفاقهم تسبّب في انقسام أهل الأديان، من جهة، وصرفهم عن جوهر النبوءات الإلهية، من جهة أخرى. فانفصمت حلقات الإيمان وتعددت الأديان التي أرادها الله ديناً واحداً. ألم يكن سند المكذبين بسيدنا المسيح تفاسير التوراة رغم أن التوراة صرّحت بقدومه وأسهبت في علامات مجيئه؟ ألم يكن سند المكذبين برسالة سيدنا محمد من أهل الكتاب تفاسير التوراة والإنجيل رغم أنه مذكور في كتبهم؟ فليس بمستغرب اليوم أن يستند المكذبون بدعوة حضرة بهاءالله على تفسير القرآن الكريم وغيره من الكتب السماوية مهما تعددت فيها وعود وبشارات مجيئه‭.

هذا هو العنصر الأساسي الذي ركز عليه محمد مصطفى وجعله محور الحجج والبيّنات التي ساقها، والرباط الوثيق الذي جمع فصول الكتاب. فلم يكن قصده توجيه النقد للرعيل الأول من المفسرين أو التعرض لتفاسير اللاحقين بخير أو شرّ، وإنما كان قصده بذل محاولة للوقوف على بعض أسباب الخطأ في استنباط من تصدوا للتفسير على الرغم من إيمانهم، وحسن قصدهم، وسعة معرفتهم باللغة والعلوم التي يعتمد عليها التفسير‭.

وقد أفصحت محاولته هذه عن عدة أسباب تتناول فصول الكتاب تفصيلها، ولكن يمكن إجمالها في أن التفسير لم يبدأ من نظرية عامة ومنظور شامل يُستهدى بهما في بيان مراد الله من كلامه، وإنما دار التفسير حول المفردات والجزئيات فظلّ مبعثراً متشعباً عاجزاً عن إيضاح الغاية القصوى والهدف الأسمى للدين، وعجز بالتالي في إيجاد أمّة واحدة تدين بالولاء التام لفاطرها‭.

زاد في هذا التفكك والانقسام انتماء المفسرين إلى فرق أو مذاهب فكرية لكل منها أصولها وقواعدها المذهبية، وفروضها المسبقة التي التزموا بها وحبسوا أفكارهم داخل حدودها. ولم يشذّ عن ذلك إلاّ نفر قليل أوتي من فصاحة اللسان وحسن البيان وقوة الحجة ما هيّأ له أن يضيف مذاهب جديدة زادت في تشتت الأفكار وانقسام العباد‭.‬

والمعلوم أن المفسرين افترقوا في مناهج تفسيرهم للقرآن إلى فريقين: أحدهما أهل النقل، والآخر أهل الرأي والاجتهاد. ولكن لم يسلم الفريقان من غوائل الاحداث التاريخية التي فرقت أمة الاسلام الى سنّة وشيعة وخوارج. إذ عمد كل فريق من هذه الفرق إلى مساندة رأيهم بآيات من القرآن والأحاديث النبوية فأولوا وفقاً لميولهم، ولجأوا إلى وضع أحاديث تؤيد رأيهم‭.

ولم تتعرض فصول هذا الكتاب للخلافات التي أثارتها التفاسير الخاصة ببعض المذاهب مثل الشيعة والمتصوفة والباطنية. فلماذا تجاهل محمد مصطفى هذه الخلافات والتفاصيل المذهبية؟ نرجح أن همّه لم ينصرف إلى دراسة مقارنة للمذاهب الفكرية المختلفة، ولكنه أراد أن يقدم تحليلاً عمليّاً وبياناً معقولاً يعين الباحث على التوصل إلى إجابات شافية، وهذه المذاهب بعضها لم يعد له نفوذ يُذكر في بلادنا، وبعضها يصعب الوقوف على منهج موحد لها لاعتماد أهلها على الذوق والإلهام والكشف، ودرجات ذلك تختلف باختلاف الأشخاص. ولعله أراد أيضاً تجنب الخوض في مناقشة التفاسير التي نسبها الناس بحق أو غير حقّ إلى أئمة الهدى من السلالة الطاهرة، احتراماً لمنزلة من نُسبت إليهم هذه التفاسير‭.‬

فاقتصر الكتاب على مناقشة المعاني التي استنبطها أهل السنة وأهل الكلام، متجنباً ما خاضوا فيه من جدل لا طائل من ورائه في شؤون الدين العملية. فوجهُ اهتمام الكتاب هو إثبات خطأ الأفكار الموروثة في عدد من المواضيع التي جاءت في القرآن على سبيل المجاز مثل وحدة الدين، وظهور المهدي، ونزول عيسى، وانقطاع الرسالات السماوية، والبعث، والقيامة. وتناول هذه الأمور بتحليل يروم الكشف عن وجه الخطأ في تفسيرها، واقتراح المعاني التي يراها تستقيم مع المنقول والمعقول معاً، ملتزماً في كل ذلك الدقة والبساطة والوضوح على نحو يرضي العوام والخواص على السواء، وبدون أن يحيد عن تواضعه الجم، وأدبه الشديد، واحترامه لآراء الغير، وتقديسه لكلام الله‭.

لقد عاش محمد مصطفى حياة الزاهد، مسلّماً وجهه وأمره لله، منصرفاً عن كثير من زخرف الحياة، باذلاً قصارى جهده لتكون مبادئ دينه رائده في أمور حياته اليومية. ففُعمت حياته بالقيم الروحانية، وزخرت بمواقف الكفاح لنصرة الحقّ، واستنارت بجهوده في إبلاغ الكلمة الإلهية، وعمرت بخدماته الجليلة في تشويق وتشجيع أحباء الله، وتلألأت بتضحياته وإنكاره للذات حتى توفاه الله في منتصف شهر أغسطس عام ١٩٨١م بضاحية حدائق الزيتون عن ثلاثة وثمانين عاماً، بعد حياة حافلة بالعناء، مليئة بالمواقف الإنسانية، مكلّلة بتقدير المسئولية؛ حياة لم يعكر صفاءها اعتراض الناس، ولا شدائد السجن ومحن الاعتقال‭.

محسن عنايت

 

 
     
 

 
 

اعلى

 
     
 

* * * * * * * * *

 

 

Copyright © 2006 NabaAzeem.com . All Rights Reserved